يقوم المشروع على تفكيك العلاقة بين مفاهيم الوجود الإنساني في القرآن، وهي {بشر}، {إنسان}، و {نفس}، معتبراً أن الفكر الديني التقليدي قد أخلط بين هذه المراحل.
A. البنية المفاهيمية الثلاثية والخلط التقليدي
يعيد المشروع تحديد كل مصطلح وفق وظيفته الوجودية:
البَشَر (Al-Bashar): يمثل الوعاء المادي والجسد البيولوجي، وهو النتيجة المكتملة لمسار التهيئة الكونية والبيولوجية، ويصنف ضمن النشأة الأولى. هذا الوعاء قابل للحياة لكنه غير واعٍ بالمسؤولية الأخلاقية.
الإنسان (Al-Insan): يمثل الكائن الواعي، الحر، والمُكَلَّف، وهو نتيجة الاصطفاء، ويصنف ضمن النشأة الأخرى. هذا الكائن هو القادر على حمل الأمانة واتخاذ قرار التسليم للحق.
النفس (Al-Nafs): هي الوعاء الوجودي الذي يحمل التجربة المكتسبة من النشأة الأخرى إلى النشأة الآخرة (المحاسبة والمصير).
هذا النموذج يحدد بدقة نقطة انطلاق التكليف: تبدأ المسؤولية الأخلاقية فقط مع ظهور الوعي الحر (الإنسان) كنتيجة للاصطفاء. هذا يعطي الشرائع الإلهية سياقاً وجودياً، كونها موجهة بشكل حصري لتدريب وتربية هذا الضمير المستيقظ.
B. العلاقة التراتبية بين الاجتباء والاصطفاء
يستخدم المشروع مصطلحي الاجتباء والاصطفاء بطريقة دقيقة لوصف المسار التراتبي الذي مر به الوجود للوصول إلى الإنسان الواعي.
الاجتباء كمسار كوني: الاجتباء يشير إلى المسار الطويل (التكوين المادي، التطور البيولوجي) الذي أعدّ الوعاء البيولوجي (البشر) لحمل الوعي. هذا المسار هو تهيئة للمادة والوعاء البيولوجي ليكون مستعداً لحمل الوعي، وهو شرط التهيئة والاستعداد في المُجتبَى. هذا الربط بين الاجتباء والتطور الكوني والبيولوجي يجنّب الصراع التقليدي، حيث يتم تعريف الخلق كعملية اختيار تدريجية وتراكمية (الاجتباء)، مع الاحتفاظ بمفهوم التدخل النوعي المفاجئ لظهور الوعي الأخلاقي (الاصطفاء).
الاصطفاء كلحظة نوعية: يمثل الاصطفاء الاختيار الفعلي الذي أضاف عنصراً نوعياً للمخلوق المُجتبَى، وهي النقطة التي تحول فيها البَشَر إلى الإنسان، ومن ثم بداية النشأة الأخرى.
C. الأمانة: الحرية بين الظلوم والجهول
لحظة الاصطفاء هي نفسها لحظة عرض الأمانة. يتم تعريف الأمانة بأنها الوعي الإرادي الحرّ الذي يمكّن الإنسان من الاختيار خارج سياق الغريزة والإلزام. الكائنات الأخرى أشفقت من حملها لأنها تعمل بالانقياد المبرمج، بينما الإنسان قَبِلها، وهذا القبول هو ما جعله قادراً على التسليم الطوعي للحق (فيصبح مسلماً) أو التمرد عليه (فيكون ظلوماً جهولاً).
يوضح التحليل أن القوة المدمرة للاحتكار تنبع من إساءة إدارة هذه الأمانة. وصف الإنسان بـ "ظلومًا جهولًا" لا يهدف للإدانة المسبقة، بل لتحديد الخطر الكامن في أداة الحرية ذاتها :
الظلم: يمارسه الإنسان عندما يحتكر ما هو مشترك (الهدى) ويصنع الحدود والتقسيمات (الشيع)، وهو انحراف للحرية عن مسارها الأخلاقي.
الجهل: يظهر عندما يتجاهل الإنسان وحدة المصدر والمنهج ويفضل الاستعاضة عن حكم الله بـ {أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ}، وهو انحراف للوعي عن مسار الحقيقة.
إن هذا الارتباط السببي يحدد أن القدرة على احتكار الهدى وتفتيته إلى أديان وشيع متناحرة هي التجسيد العملي لفشل الإنسان في إدارة حريته ومعرفته الداخلية، مما يدفعه لإنشاء ولاءات خارجية مرئية (شعائر وملابس وألقاب) يسهل احتكارها.