A. تأسيس المنهج التحرري ونفي المرجعية التراثية
يقوم المشروع على منهجية تأسيسية جريئة تبتعد عن إطار التفسير التقليدي. يقرر النص أن هذا العمل ليس إضافةً إلى مكتبة التفاسير، بل هو "تأسيس جديد لفهم الرسالة الإلهية من داخل النص ذاته". يُشترط لهذا التأسيس أن يتم "دون اعتماد على أي مرجعية بشرية أو تراثية"، وفقاً لقواعد وظيفية تُستخرج مباشرة من النص.
هذا النفي القاطع للمرجعية التراثية يمثل قفزة منهجية ضرورية. التراث، بحكم تراكمه التاريخي، هو المصدر الأساسي الذي نشأت منه الوصاية على النص والاحتـكار الطائفي للهدى. لذلك، لا يمكن تحقيق الهدف الوجودي للمشروع — تحرير الرسالة للضمير الحر وبناء الإنسان الحر والمسؤول — إلا عبر التحرر أولاً من الوصاية التراثية على طريقة قراءة النص. يهدف هذا التأسيس إلى إعادة الوظيفة الأصلية للوحي: وهي "بناء الإنسان الحر، المسؤول، المدرك".
B. التوحيد الوجودي كمنطلق لنفي تعدد "الأديان"
تعتبر وحدة المصدر (التوحيد) الحجة المركزية التي يبدأ منها المشروع في تفكيك الاحتكار. يرفض النص الخلط الشائع بين الرسالة الإلهية ومظاهرها التاريخية، والذي أدى إلى ظهور مفهوم "الأديان" بالصيغة الجمع، وهو مفهوم لم يستخدمه النص القرآني للإشارة إلى ما أنزله الله. بدلاً من ذلك، يتحدث القرآن دائماً عن "الدين" بصيغة المفرد، مثل قوله تعالى: {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}، في إشارة واضحة إلى وحدة المصدر ووحدة الهدف.
تتمثل الحجة المنطقية في أن التوحيد، عندما يتحرر من كونه مجرد عقيدة عددية، يتحول إلى مبدأ كوني يفرض وحدة المنهج. فإذا كان الإله واحدًا، وكان غرضه هداية الكائن الواعي إلى التسليم للحق، فمن المستحيل أن تصدر عنه "أديان" متصارعة. التعدد الذي نراه ليس في أصل الوحي، بل هو في تفسير البشر واختياراتهم، مما أدى إلى صناعة "الشيع" والأحزاب وتقسيم الدين الواحد إلى أشكال وأسماء متناحرة.
إن الوحدة الإلهية للرسالة هي الضمانة الكونية ضد التجزئة البشرية. هذا يرفع الحجة إلى مستوى وجودي؛ حيث إن التوحيد هو الضمانة الأولى ضد احتكار الرسالة، لأنه يقرر أن الهدى هو ملكية مشتركة ومتاحة لكل من اختار التسليم للحق، لا لفئة دون غيرها. إن تجزئة الدين الواحد (التوحيد) إلى شيع وأحزاب هو مكافئ وظيفي لظاهرة الشرك المطبقة على نظام الهداية نفسه.