الفصل الرابع: الأمانة بين الحرية والجهل (خطر الوعي)
بعد تحديد الاصطفاء كبداية للنشأة
الأخرى، يصبح لزاماً تحليل ثمرة هذا الاصطفاء: الأمانة. إن آية الأمانة
{إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا}
هي المفتاح لفهم لماذا يمتلك الإنسان القدرة على تفتيت الدين واحتكار الهدى، على الرغم من وضوح الرسالة.
1. الأمانة كـ "حرية مطلقة ومسؤولية كاملة"
الأمانة، في سياقها القرآني الوجودي، هي ثمرة الاصطفاء؛ إنها الوعي الإرادي الحرّ الذي يمكّن الإنسان من الاختيار خارج سياق الغريزة والإلزام. الكائنات الأخرى (السماوات والأرض) تعمل وفق نظام انقيادي مبرمج، ولهذا أشفقت من حملها، لأنها لا تملك الأداة اللازمة لكسر هذا الانقياد. الإنسان وحده هو الذي قَبِل حملها، وهذا القبول هو الذي جعله الكائن الوحيد القادر على:
- التسليم الطوعي للحق (فيصبح مسلماً).
- التمرد على الحق وصناعة بدائل عنه (فيكون ظلوماً جهولاً).
الرسالة الإلهية بأكملها هي مساعدة لهذا الكائن الحر على إدارة هذه الأمانة.
2. الظلوم والجهول: صناع الاحتكار
وصف الإنسان بـ "ظلومًا جهولًا" لا يُقصد به الإدانة المسبقة، بل الإشارة إلى الخطر الكامن في الأمانة عند سوء إدارتها، وهذا هو السبب الجذري لتفتيت الدين:
- الظلم: هو انحراف الحرية عن مسارها الأخلاقي. يمارس الإنسان الظلم عندما يحتكر ما هو مشترك (الهدى)، ويصنع الحدود والتقسيمات (الشيع)، ويحرم الآخرين من نور الرسالة. إنه يظلم نفسه عندما يختار الوهم على الحق.
- الجهل: هو انحراف الوعي عن مسار الحقيقة. يظهر الجهل عندما يتجاهل الإنسان وحدة المصدر والمنهج (التوحيد)، ويفضل الاستعاضة عن حكم الله بـ "أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ". هذا الجهل يبرر له اختراع الشعائر والملابس والطقوس وتقديسها، وبالتالي تحويل الدين من منهج روحي إلى هُوية خارجية يمكن احتكارها.
3. كيف ضاعت الرسالة الإلهية الحقيقية؟
تضييع الرسالة لم يكن بفعل قوى خارجية، بل كان عملية داخلية نابعة من إساءة إدارة الأمانة:
بالتأكيد. يمكن تحويل هذا الجدول إلى نص انسيابي وواضح يخدم غرض الشرح في الكتاب، مع الحفاظ على قوة المصطلحات البحثية التي استخدمتها.
إن عملية ضياع الرسالة الإلهية وتحويلها إلى أداة احتكار تتم عبر خطوات ممنهجة، يقودها في الأساس "الظلوم والجهول" الذين أساءوا إدارة الأمانة (الوعي والحرية). يمكن رصد هذه الآليات التي تُنتج التفكك بدلاً من التوحيد:
- تعدد الأديان وإلغاء وحدة المصدر: يبدأ الاحتكار بـ الجهل بالتوحيد، حيث يُستخدم الوعي لتسمية الهدى بأكثر من اسم. وبدلاً من الاعتراف بـ "الدين الواحد" كمنهج إلهي، يتم إنشاء "أديان" متعددة، والهدف الأساسي من هذه الآلية هو إلغاء وحدة المصدر الإلهي وتمزيق البوصلة المعرفية.
- تفتيت الدين إلى شيع وخلق سلطة احتكارية: ينتقل "الظلوم" إلى استغلال الحرية الممنوحة له لـ تقسيم المجتمع على أساس الانتماء البشري لا على أساس العدل الإلهي. يتم تحويل "المسلم" و"المجرم" من أوصاف وجودية إلى فئات طائفية، والهدف المعلن هو خلق سلطة دينية احتكارية تمتلك حق الوكالة والوصاية على الآخرين.
- اختراع الشعائر والرموز والابتعاد عن الضمير: تتوج هذه الممارسات بـ تقديس المظاهر والشعائر المخترعة (كالملابس الخاصة، الطقوس غير المنصوص عليها، أو الألقاب الكهنوتية)، حيث تُستخدم هذه المظاهر كعلامات على الهداية والنجاة. يهدف هذا الفعل إلى تحويل الدين من باطن الضمير والنية إلى ظاهر الولاء والانتماء للجماعة المحتكرة.
هذه الخطوات الثلاث تخلق منظومة مغلقة، يجد فيها الإنسان الجاهل والمتمرد (الظلوم والجهول) الغطاء لتبرير سيطرته على الآخرين.
الرسالة الإلهية الحقيقية لم تضيع، بل تغطت بطبقات من الأوهام والأسماء التي صنعها الإنسان الظلوم والجهول لكي يستطيع ممارسة الاحتكار، وهو ما يتنافى جوهرياً مع مبدأ التوحيد الوجودي الذي يفرض وحدة الهدى.