الملخص
تمييز وظيفي بين الدين والملة في ضوء الاستقراء النصي وتاريخ المفهوم.
النص الكامل
الدين في القرآن:
نظام يُمارَس لا هوية تُحمل
Dīn in the Quran:
A Practiced System, Not a Carried Identity
قراءة استقرائية في ضوء منهجية QR-V1 وتاريخ المفهوم
An Inductive Reading in Light of the QR-V1 Methodology and Conceptual History
أغسطس 2026
Version v3 — revised manuscript
ملاحظة توجيهية / Reader’s Note
تقع هذه الورقة ضمن المرحلة الثانية من السلسلة: البنية الوجودية والإنسانية. وعلى الرغم من أنها الورقة الأولى في ترتيب النشر، فإنها تُقرأ وظيفياً بعد الورقتين 2 (الله والرب) و3 (البشر/الروح/الإنسان/النفس)، حيث تعيد بناء مفهوم «الدين» بوصفه العلاقة العملية بين الخالق والمتلقي.
وتُمهّد هذه الورقة للورقة 13 (الدين والملة)، التي تتناول التمييز البنيوي بين المفهومين بصورة أوسع.
This paper is part of the second phase of the series: Ontological and Human Structure. Although it is the first paper in publication order, functionally it is read after Papers 2 (Allah and Rabb) and 3 (Bashar/Ruh/Insan/Nafs), as it reconstructs the concept of “Dīn” as the practical relationship between the Creator and the recipient.
It also prepares the way for Paper 13 (Dīn and Millah), which examines the structural distinction between the two concepts in greater depth.
الملخص / Abstract
تنطلق هذه الورقة من ملاحظة منهجية حول الفجوة المحتملة بين مفهوم «الدين» الحديث، بوصفه كياناً هوياتياً، والاستعمال القرآني للفظ.
من خلال استقراء مواضع الجذر (د ي ن) ومشتقاته ضمن النطاق المعجمي المحدد في القرآن، وتحليل الأفعال والسياقات المصاحبة — مثل: اتخذ، لبّس، فرّق، أخلص، ومكّن — تشير الورقة إلى أن الاستقراء يدعم فهم «الدين» في النص القرآني بوصفه نظاماً كلياً يُمارَس ويُقيَّم ويُوفّى، لا هوية جامدة تُحمل.
كما تميز الورقة بين «الدين» و«الملة»، وتختبر هذا النموذج عبر اختبار الاستبدال الإجرائي، وتناقش حدوده في ضوء النقوش السبئية والمعاجم التأسيسية.
This paper proceeds from a methodological observation regarding the potential gap between the modern concept of “religion,” understood as an identity-based entity, and the Quranic usage of the term “Dīn.”
Through an inductive examination of occurrences of the root d-y-n and its derivatives within the defined lexical scope of the Quran, and an analysis of accompanying verbs and contexts — including “took,” “confused,” “divided,” “purified,” and “established” — the paper suggests that the inductive evidence supports understanding “Dīn” in the Quranic text as a holistic system that is practiced, evaluated, and fulfilled, rather than a static identity that is carried.
The paper also distinguishes between “Dīn” and “Millah,” tests this model through the procedural substitution test, and discusses its limits in light of Sabaic inscriptions and foundational lexicons.
الكلمات المفتاحية / Keywords
الدين، الملة، الاستقراء النصي، تاريخ المفهوم، النقوش السبئية، نقد مفهوم الدين، منهجية QR-V1، النظام الوظيفي.
Dīn, Millah, Textual Induction, Conceptual History, Sabaic Inscriptions, Critique of Religion, QR-V1 Methodology, Functional System.
طبيعة النتائج في هذه الدراسة / Nature of Results in This Study
تلتزم هذه الدراسة بالتمييز بين ثلاثة مستويات من الاستدلال، لتوضيح حدود كل نوع من النتائج وتجنب الخلط بين النص والتفسير:
• الشاهد النصي: ما يصرح به النص القرآني مباشرة من ألفاظ وأفعال وسياقات.
• النتيجة الاستقرائية: الأنماط المتكررة في عينة مواضع الجذر (د ي ن) ومشتقاته ضمن النطاق المعجمي المحدد في القرآن.
• النموذج التفسيري: الإطار المقترح لفهم «الدين» بوصفه نظاماً وظيفياً يُمارَس؛ وهو قابل للمراجعة عند ظهور شواهد نصية أو أنماط استقرائية مضادة.
أولاً: الإشكالية — إسقاط المفهوم الحديث على النص القديم
يشيع في الخطاب الديني والأكاديمي المعاصر استعمال عبارات مثل «دين الإسلام» أو «الأديان» بوصفها تسميات قرآنية تعكس هويات جماعية مغلقة ومتوازية. غير أن هذا الفهم قد يتجاهل الفجوة الزمنية والثقافية بين مفهوم Religion الحديث، بوصفه كياناً مؤسسياً هوياتياً، والاستعمال القرآني للفظ.
السؤال المنهجي الذي تنطلق منه هذه الورقة هو: كيف يستخدم النص القرآني لفظَي «دين» و«ملة» وظيفياً؟ وهل ينسبهما إلى جماعة هوياتية بالاسم، أم يصف بهما حالة ممارَسة والتزام؟
ثانياً: الفرضية المركزية
تشير العينة الاستقرائية لمواضع اللفظ في القرآن إلى نمط دلالي يسمح ببناء نموذج تفسيري يقترح أن:
- «الدين» في النص القرآني يظهر بوصفه نظاماً كلياً يُمارَس ويُقيّم ويُوفّى، لا هوية جامدة تُحمل.
- «الملة» تُنسب غالباً إلى مسار فردي يُتّبع، كما في «ملة إبراهيم»، ولا تظهر بوضوح بوصفها اسماً لهوية جماعية مستقلة.
- يتقاطع هذا النموذج جزئياً مع بعض الدراسات الحديثة في نقد مفهوم «الدين»، لكنه لا يعتمد عليها بوصفها دليلاً قاطعاً؛ بل تُستخدم كخلفية نظرية تساعد على طرح السؤال المنهجي واختبار النموذج داخل النص القرآني.
ثالثاً: المنهج
يتبع البحث منهج QR-V1 القائم على:
- الاستقراء النصي الداخلي: تتبع مواضع الجذر (د ي ن) ومشتقاته ضمن النطاق المعجمي المحدد قبل الحكم على دلالته.
- التحليل السياقي للأفعال: دراسة الأفعال التي يقبلها اللفظ، مثل: اتخذ، لبّس، أخلص، ومكّن، للكشف عن طبيعته الوظيفية المحتملة.
- عدم افتراض الترادف: التمييز الدقيق بين «الدين» بوصفه نظاماً كلياً محتملاً، و«الملة» بوصفها مساراً متبعاً.
- التحقق الخارجي المحدود: استخدام المعاجم التأسيسية والنقوش السبئية الموثقة كخلفية دالة، مع الالتزام بحدود الأدلة المتاحة.
رابعاً: التحليل الاستقرائي والجذري للمفاهيم المحورية
1. الدين (د ي ن) في القرآن: أفعال تكشف الطبيعة
• اتّخذ: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ (الأنعام: 70)
الدلالة الوظيفية المرجحة: له وظيفة أصلية قابلة للتحويل أو الإهمال.
• لبّس: ﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْكُمْ دِينَكُمْ﴾ (الأنعام: 137)
الدلالة الوظيفية المرجحة: له حقيقة قابلة للتشويه والخلط.
• فرّق: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ (الأنعام: 159)
الدلالة الوظيفية المرجحة: كيان موحد قابل للتمزق والانشقاق.
• أخلص: ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ (النساء: 146)
الدلالة الوظيفية المرجحة: يُؤدّى ويُمارَس بقصد وعمل.
• مكّن: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ﴾ (النور: 55)
الدلالة الوظيفية المرجحة: نظام قابل للتطبيق الكامل على أرض الواقع.
• وفّى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ (النور: 25)
الدلالة الوظيفية المرجحة: له حق كامل يُعطى ويُستوفى.
النتيجة الاستقرائية المرجحة:
تشير الأفعال المصاحبة إلى أن «الدين» يُوصف في السياقات المدروسة بوصفه شيئاً يمكن اتخاذه وإفساده وتفريقه وإخلاصه وتقويته ووفائه؛ وهذا يدعم فرضية أنه نظام ممارَس ومُقيّم، لا مجرد هوية اسمية.
2. الملة (م ل ل): مسار يُتّبع لا هوية تُحمل
- ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ (البقرة: 135).
- ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ (النحل: 123).
- حتى في ﴿حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: 120)، يبقى التركيز على فعل «اتباع المسار»، ولم يظهر في العينة المدروسة تعبير مثل «ملة اليهودية» أو «ملة النصرانية» بوصفه اسماً لعلامة هوية.
3. ملاحظة استقرائية داعمة: غياب صيغة «الديّان» و«أديان»
- غياب الجمع: لم يظهر لفظ «أديان» بصيغة الجمع في العينة القرآنية المدروسة. وقد يُقرأ ذلك بوصفه قرينة داعمة محتملة، لا دليلاً قاطعاً على غياب فكرة الأديان المتوازية.
- غياب «الديّان»: رغم ورود مشتقات الجذر (د ي ن)، تغيب صيغة المبالغة «الديّان» عن النص القرآني. ويُطرح هذا الغياب كمؤشر استكشافي داعم يتسق مع النموذج، ولا يكفي وحده لبناء استنتاج.
خامساً: اختبار الاستبدال الإجرائي
لتقييم الطبيعة الوظيفية المحتملة للفظ، يُطبق اختبار الاستبدال وفق الخطوات التالية:
- اختيار السياق: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾.
- محاولة الاستبدال: استبدال «دينهم» بكلمة «هويتهم» أو «انتماءهم».
- التقييم وفق ثلاثة معايير: اختلال المعنى، اختلال النظم، اختلال الوظيفة.
- الحكم المنهجي: قد يدعم فشل الاستبدال فرضية أن «الدين» في هذا السياق نظام ممارَسة والتزام، وليس مجرد بطاقة هوية انتمائية؛ لكن هذا الاستنتاج يبقى مرجحاً ويجب تعزيزه بالاستقراء وتحليل السياق.
التقييم:
- اختلال المعنى: الهوية لا «تُتّخذ لهواً» بنفس الدلالة الدقيقة.
- اختلال النظم: الفعل «اتخذ» يفترض شيئاً كان من المفترض أن يُمارَس بجدية.
- اختلال الوظيفة: النظام القيمي قابل للإفساد، أما الهوية الانتمائية فمفهومها مختلف.
سادساً: النتائج
أ. النتائج المباشرة (ما تشير إليه العينة الاستقرائية)
- يظهر لفظ «دين» في العينة المدروسة غالباً بوصفه نظاماً يُنسب إلى الفاعل، مثل: دينهم ودينكم، أو إلى الله، مثل: دين الله.
- لم يظهر في العينة القرآنية المدروسة بوضوح بوصفه اسماً علمياً لجماعة هوياتية، مثل «دين الإسلام» بوصفه اسماً مقابلأ لأديان أخرى.
- الأفعال المصاحبة للفظ — اتخذ، لبّس، فرّق، أخلص، وفّى — تدعم فرضية أنه يصف ديناميكية الممارسة والتقييم.
ب. النموذج التفسيري المقترح (ما يُستنتج كإطار قابل للمراجعة)
- يقترح النموذج أن القرآن يميز بين «الدين» بوصفه إطاراً كلياً للالتزام والطاعة والجزاء، و«الملة» بوصفها نموذجاً عملياً ومساراً يُحتذى.
- يتقاطع هذا الفهم جزئياً مع الدراسات الحديثة التي ترى أن مفهوم «الدين» ككيان هوياتي مغلق بناء حديث، وأن النص القرآني يخاطب البنية الوظيفية للإنسان.
سابعاً: المقارنة مع التراث
يغلب في بعض التفاسير الكلاسيكية والمتأخرة قراءة النصوص عبر عدسة الهويات الطائفية أو الدينية التي تبلورت في قرون لاحقة. النموذج المقترح لا ينفي وجود اختلافات بين المجموعات في النص، لكنه يقترح أن الآلية القرآنية في وصف هذا الاختلاف تظل وظيفية — من اتبع المسار ومن فرّقه — وليست تصنيفية هوياتية جامدة.
ثامناً: مناقشة التفسيرات البديلة
الاعتراض:
أليس قول تعالى ﴿حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ دليلاً على أن «الملة» تعني هوية اليهود والنصارى الجماعية؟
الرد المنهجي:
السياق هنا جدلي توجيهي، والتركيز اللغوي يبقى على فعل «اتباع المسار». قد يكون احتمال فهم «الملة» بوصفها هوية جماعية أضعف من حيث الدلالة اللغوية، لكنه لا يُغني عن تحليل السياق الأوسع. واستخدام «تتبع ملتهم» يدعم احتمال أن الملة طريق ومسار، والتحذير من سلوك هذا المسار، لا من مجرد الانتماء الاسمي.
تاسعاً: حدود النموذج التفسيري
- حدود الاستقراء النقشي: يقصر الادعاء الموثق على الفرع السبئي في اليمن القديم. أما الفروع النبطية والثمودية فتُصنف مفتوحة، والصفائية مرجحة.
- حدود المعاجم: تستند النتيجة إلى معاجم تأسيسية مبكرة. أما المعاجم الموسوعية المتأخرة، مثل لسان العرب، فقد تعكس تطوراً دلالياً لاحقاً.
- غياب «الديّان»: يُطرح غياب هذه الصيغة كملاحظة استقرائية داعمة تتسق مع النموذج، ولا يُقدم كدليل قاطع مستقل بذاته، تجنباً لمغالطة الاستدلال من السكوت.
عاشراً: الخاتمة
تقترح القراءة الاستقرائية من الداخل أن النص القرآني يمكن فهمه بوصفه يتعامل مع «الدين» بوصفه نظاماً حياً يُمارَس ويُخلص ويُوفّى ويُحافظ عليه، وليس هوية جامدة تُحمل أو تُورث. كما تقترح أن «الملة» تُفهم بوصفها مساراً يُحتذى.
يتقاطع هذا الفهم جزئياً مع الرؤية التأسيسية للمشروع في الورقة 00، التي ترى أن الخطاب الإلهي يخاطب البنية الوظيفية للإنسان، متجاوزاً التصنيفات الهوياتية الضيقة.
وتُمثل هذه الورقة اللبنة الثالثة في المرحلة الثانية: البنية الوجودية والإنسانية؛ حيث تُبنى على التمييز الوظيفي بين «الله» و«الرب» في الورقة 2، وعلى طبيعة المتلقي في الورقة 3، لتقترح فهماً للعلاقة العملية بين الخالق والإنسان. وسيتم توسيع التمييز بين «الدين» و«الملة» في الورقة 13.
المراجع / References
Asad, T. (1993). Genealogies of Religion: Discipline and Reasons of Power in Christianity and Islam. Johns Hopkins University Press.
Fitzgerald, T. (2000). The Ideology of Religious Studies. Oxford University Press.
Smith, W. C. (1962). The Meaning and End of Religion. Fortress Press.
El-Assal, I. (2026). مدخل إبستمولوجي للسلسلة: الشمول التأويلي. Zenodo. https://doi.org/10.5281/zenodo.21432418
El-Assal, I. (2026). نحو نموذج اتصالي لعالمية الخطاب الإلهي — الورقة 00. Zenodo. https://doi.org/10.5281/zenodo.21709661
El-Assal, I. (2026). الله والرب — الورقة 2. Zenodo. https://doi.org/10.5281/zenodo.20836825
El-Assal, I. (2026). البشر والروح والإنسان والنفس — الورقة 3. Zenodo. https://doi.org/10.5281/zenodo.21013128
El-Assal, I. (2026). الدين والملة — الورقة 13. Zenodo. https://doi.org/10.5281/zenodo.21626528
تُطبق على هذه الورقة نفس المعاجم التأسيسية المعتمدة في منهجية QR-V1 كما وردت في الورقة 0.
الملف
نسخة PDF متاحة للتنزيل والقراءة. افتح الملف